ابن قيم الجوزية
101
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
مقيدة بالتوبة من الذنب يلغى التقييد بالمشيئة ، فان اللّه قد وعد كل تائب بقبول توبته . وقول المؤلف رحمه اللّه ( فلو أتى بقرابها . . . الخ ) البيتين الأولين إشارة إلى قوله سبحانه في الحديث القدسي « يا بن آدم انك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة » . وأما التواب فهو الكثير التوب بمعنى الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة ، قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [ الشورى : 25 ] . وقال : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ [ غافر : 3 ] . ولا يزال اللّه يقبل توبة عبده ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها ، فإذا ظهرت أمارات القيامة الصغرى بالغرغرة أو الكبرى بطلوع الشمس من المغرب أغلق باب التوبة . قال تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [ النساء : 18 ] . وقال : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ الأنعام : 158 ] . وفي الحديث الصحيح : « إن اللّه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها » . وتوبته سبحانه على عبده نوعان : أحدهما أنه يلهم عبده التوبة إليه ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والاقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها بعمل الصالحات .